هذه الكرة التي هي عبارة عن قطعة من القماش الملون بداخلها هواء "يجري" خلفها 22 لاعباً وثلاثة حكام ومراقبين وأجهزة فنية .. قطعة لا يتجاوز ثمنها بضعة مئات الجنيهات تتحكم في سرور وحزن شعب بأكمله .. وتملاً جيوب الملايين من اللاعبين حول العالم بملايين الدولارات و تتحكم في إقتصاد العديد من المؤسسات المختلفة حول العالم .. نعم أنتي مجنونة أيها الكرة !!
جنون كرة القدم تجعلنا ننظر لكل مظاهر الحياة حولنا، من يتخيل أن يترك الطالب دراسته و يترك كل ماهو له مسئولية مسئوليته لمشاهدة هذه الكرة "المجنونة" ليتابع أشخاص يمارسون مهنتهم و عملهم في لعب الكرة وفي حالة فوزهم يملأون جيوبهم بالـ"الورق الأخضر" بينما أنا أظل طوال المباراة أدعوا الله أن "يوفقني" ويفوز فريقي حتى يدخل السرور على قلبي وأكون "فريش" في العمل .. وفي الخسارة أبكي و قد يصل الأمر إلى إرتفاع في الضغط والسكر و ربما "العسـل" أيضاً وأترك عملي لإني "ماليش نفس" أعمل وأنا مهزوم !!
تحولت كرة القدم بسرعة البرق وفي سنين معدودة .. من لعبة إلى تجارة وترتب عليها تنظيم حياة الفرد من حيث السعادة أو الحزن وتأثر بـ"جنونها" الكبير قبل الصغير .. فمن منا تابع مباريات دراماتيكية كانت في صالحنا و أخرى كانت في صالح المنافس .. وكما يقول المثل يوم لك ويوم عليــك .. أيكون العدل هو أن نفوز للأبد أو نفرح للأبد ؟؟ .. أليس عندما نشعر بطعم الهزيمة "المــر" يتجدد إشتياقنا وآمالنا في تزوق طعم الفوز من جديد .. كالمثل الذي يقول "إن دامت لغيرك ما وصلت لك" .. حقاً إذا دام الفوز لغيرك فلن تستطيع الفوز أبداً .. هذا هو "جنون الكرة" !!
من منــا يشعر بالمرارة وقمة الأسى والحزن عند الهزيمة ويالها من مصيبة إذا كانت هزيمة ثقيلة .. تعلوا آهات الحزن والبكاء .. ستصبح الليلة سوداء .. وتنتشر توابع أي هزيمة مثل توابع الكوارث والزلازل .. تهاجم هذا وتسخر من هذا وتنتقد هؤلاء حتى إذا كان هناك إيجابيات وهؤلاء من أفسدوا الكرة ويجب إعتزال هؤلاء العواجيز "المكسحين" .. فتكون المحصلة هي السيئة تعم و الحسنة تخص !!
في حالة التعادل لا نفتح في ملفات التعادل معلنين شعار عدم التوفيق و "لعبنا مباراة حلوة" ولكن التوفيق لم يكن معنا .. وإن شاء الله "تتعوض" المباريات القادمة وتصبح المباراة "حلوة" من جانب الفريقين .. دون أن أرى أين هو محور "حلاوة" المباراة !!!
وعندمـا نفوز نشعر بالفخر والسعادة وقمة النشوة ويالها من فرحة إذا كانت بـ"سكور ثقيل" .. تعلوا آهات الفرحة و السعادة .. ستصبح ليلة بيضــاء .. ونمجد في اللاعبين الذين كتبوا أسمائهم من "نـور" على جدران الكرة و "علموا" على كل المنافسين .. و إذا وجدنا أخطاء نتلاشاها .. فنحن الفريق الفائز فكيف تكون عندنا أخطاء .. فالحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها !!
أليس هذا قمة التناقض وقمة "الجنون" .. أنا اليوم فائز "فرحان" .. فأنا ملك .. غداً مهزوم "مقهور" .. فأنا لا أسوى شئ !!
إذا كان "جنون الكرة" في مباراة فائز ومباراة مهزوم .. فيا لها من "كارثة جنونية" إذا حدث هذا التناقض في شوطين كل شوط 45 دقيقة فقط و شوطين إضافيين كل منهم ربع ساعة !! .. شوط نصبح بنشوة الفوز والإنتصار ونشيد بالأداء بالعالمي العالي للاعبين كتبوا أسمائهم من نور ومدرب عبقري بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. وإحتياطي مثالي لأي فريق "تقيل" يلعب الكرة .. تأتي الصدمة في شوط ثاني .. التعادل .. بدأت الآمال والطموحات في الهبوط .. بدأنا نبرة التشائم .. بدأنا "نشوف" عيوب كارثية .. ننتقد هذا اللاعب العجوز الذي لا يصلح لممارسة كرة القدم .. الحارس "الأشرجي" الذي لعب مباريات معدودة فقط وأخذ بطولة قارية .. وإذا بتغييرات عجيبة .. أداء أسوأ .. إستحواذ منعدم .. وإذا بـ "بنزين" اللاعبين ينفذ .. كرات طائشة على مرمى الفريق من كل مكان .. تنتهي المباراة بالتعادل نحمد الله ونشكره على التعادل !!!
تبدأ حملات الدعاء بالفوز .. مظاهر القلق بدأت تظهر على الجميع .. القلق والتخوف من الفريق الذي قبل ساعة كنا نقول عليه "عالمي" ولاعبيه أصحاب حروف من "نور" .. إذا ببداية الشوط الإضافي .. فجأة يأتي بهدف الهزيمة .. اليوم أصبح أسود .. شماعات الهزيمة بدأت تظهر .. لا يوجد دفاع .. أين الحارس .. أين المدير الفني .. أليس هذا فريقي .. توترت الأعصاب .. الجميع أصبح يدعوا بالفوز !!!
أخيراً "القشة التي قسمت ظهر البعير" هدف تعزيز الفوز .. إنتهى اللقاء .. بدأت تناقضات الفوز تظهر وملامح الهزيمة سادت الجميع .. أين الثقة ؟ .. ذهبت بسبب هزيمة مباراة وتناسى الجميع نشوات وصولات وجولات الفريق بطل القارة .. في الهزيمة يصبح الفريق لا يصلح لممارسة اللعبة .. وفي الفوز نصبح "أباطرة" اللعبة .. تناسى الجميع أن الفريق البطل خسر من فريق بطل أيضاً .. نعم إنها بطولة العالم .. بطولة تحمل أبطال العالم .. بطولة يشارك بها أعظم وأقوى فرق العالم في إحتفالية خاصة "لتمجيدهم" والبطل دائماً ما يتواجد في هذا المكان .. ولكن "جنون الكرة" تعطيك اليوم بسمة وغداً تلقيك بالدموع !!
حقاً لكل جواد كبوة .. والبطل هو من يمرض ولا يموت .. لأننا أبطال أفريقيا وسنظل أبطال أفريقيا .. وسنظل أوفياء ..
لنكن "أكثر جنوناً" من هذه الكرة .. ونفرح بأنفسنا لأننا حققنا ما يصعب على فرق العالم كله تحقيقه .. ونشكر الله أولاً وأخيراً فالفوز من عند الله والهزيمة من عند الله أيضاً .. ويجب أن نعرف كلمة "هارد لاك" حتى نعود من جديد ..
كتبـــ لكـــم ـــه
مــحمـــد أنـــس